إثبات ما يتضمنه اسم الله "الوكيل" من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله -عز وجل –"الوَكيلُ" الذي تولى أمر خلقه بالكفالة والكفاية، فجاءت وكالته على نوعين:
الوكالة العامة: فوكالته -تبارك وتعالى -عامة شاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، إنسهم وجنهم وبهائمهم بل حتى جامدهم، الصغير منهم والكبير، والحقير والجليل، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾[الأنعام: 102]، فـ "الوَكيلُ" تَعَالَى خلق الخلائق ولم يتركهم هملًا، بل تكفل بأمرهم، وكفاهم إياه من جميع الوجوه خلقًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، وقوتًا ووقاية، وتعليمًا، وهداية، إلى غير ذلك من ألطافه وإحسانه، قال تَعَالَى:﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾[النساء: 171]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾[الأنعام: 102]، [ينظر: النهج الأسمى، للنجدي 2/ 363].
يقول الطبري رحمه الله في ذلك: «والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته» [تفسير الطبري 12/13]
ومن صور الوكالة والكفالة والكفاية العامة:
الرزق:
فتكفل "الوَكيلُ" برزق الخلائق، وكفاهم الكافي مؤونته؛ فهيء لهم من جميع الأسباب ما يغنيهم، ويقنيهم، ويطعمهم، ويسقيهم حتى أنه يسوق الرزق لضعيفهم الذي لا يقوى على جمعه وتحصيله، وييسر عليه تحصيله، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء، والأجنة في بطون الأمهات، [المنهاج في شعب الإيمان 1/ 204]، وتفسير ابن كثير 3 /420].
قال تَعَالَى:﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[الأنعام: 102]، وكان ﷺ إذا أوى إلى فراشه، يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِي».
الحفظ:
فتكفل "الوَكيلُ" الكفيل بحفظ الخلائق عما يضرهم، وحفظ عليهم أقوالهم وأفعالهم ومعاملتهم فيما بينهم، وكفاهم الكافي بشهادته عليهم، قال تَعَالَى:﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾[يوسف: 66]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾[القصص: 28]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ …».
الوكالة الخاصة: ويقصد بها وكالته -تبارك وتعالى -لعباده المتقين المتوكلين عليه، قال تَعَالَى:﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾[الأحزاب: 3]، فتولى "الوَكيلُ" أمرهم وكفاهم كفاية لا تقييد ولا تخصيص معها، بل تعم أمر دينهم، ودنياهم، وأخراهم، قال تَعَالَى:﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾[الزمر: 36].
رد السوء والأذى عنهم في الدنيا والآخرة: -
فأما في الدنيا: فتكفّل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه من كل من أرادهم بسوء وأذى، قال تَعَالَى:﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾[الزمر: 36]، وقرأ حمزة والكسائي «عباده» أي: يكفي من عبده وتو كل عليه من الأنبياء والمؤمنين، ومن شواهد ذلك:
أن "الوَكيلُ" سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه شر الكفار والمنافقين، قال تَعَالَى:﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾[الأحزاب: 48]، فكفاهم شر قريش في بدر مع كثرة محاربيهم، وما معهم من العدة الكاملة، والسلاح العام، والخيل الكثيرة، فكفاهم بما أمدهم به من الملائكة، فانقلبوا منتصرين، قال تَعَالَى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:123-125]، وقال رسول الله ﷺ :« أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» [أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (2/ 196]
وكفاهم شر الأحزاب وعددهم وعدّتهم، فلم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم، بل كفاهم بما أرسل على عدوهم من ريح الصبا التي زعزعت مراكزهم، وقوضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وبما قذف في قلوبهم من الرعب، فانصرفوا خائبين، لم يصيبوا خيرًا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة رسول الله ﷺ ومعادة دينه، فكفى الله وحده المؤمنين، ونصرهم، قال تَعَالَى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب: 25]، وقال رسول الله ﷺ :«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ»
ثم إن هذه الوكالة والكفالة والكفاية العامة والخاصة في منتهى الكمال والتمام:﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾[الأحزاب: 3]، وكيف لا تكون كذلك، وهو: -
"الوَكيلُ" الملك الذي ملك المشرق والمغرب وما بينهما، قال تَعَالَى:﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾[المزمل: 9]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[هود: 56].
"الوَكيلُ" الغني، الذي مهما كفل وأعطى خلقه ما سألوه واحتاجوه لم ينقص ما عنده، بل يمينه سُبْحَانَهُ ملأى لا تغيضها نفقة، ولو أن عباده كلهم قاموا في صعيد واحد، فسألوه فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مِن ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِلَ البحر.
"الوَكيلُ" العليم الذي أحاط علمه بما وكل إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾[النساء: 81].
"الوَكيلُ" العزيز الرحيم، قال تَعَالَى:﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: 217]«بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك» [تفسير السعدي /ص 599]
"الوَكيلُ" الحكيم الذي يحكم بحكمه، ولا يضيع من وثق بحسن تدبيره، قال تَعَالَى:﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[الأنفال: 49].
"الوَكيلُ" الهادي الذي يهدي العبد إلى سواء السبيل، قال تَعَالَى:﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾[إبراهيم: 12].
"الوَكيلُ" الحسيب الكافي الذي يكفي عبده كل ما أهمه، قال تَعَالَى:﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾[الزمر: 38].
"الوَكيلُ" الذي يرجع الأمر كله إليه، قال تَعَالَى:﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾[هود: 123]، فَسُبْحَانَهُ ما أعظمه وأجله، يقول تَعَالَى:﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81] [تفسير السعدي ص: 599]
الدعاء باسم الله الوكيل دعاء مسألة: -
ورد الدعاء بالاسم المطلق في قوله تعالى:﴿ الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾[آل عمران:173].
وعند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «بَيْنَمَا امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ وَهْي تُرْضِعُهُ، فَقَالَتِ اللهمَّ لاَ تُمِتِ ابْنِي حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ اللهمَّ لاَ تَجْعَلنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فِي الثَّدْيِ، وَمُرَّ بِامْرَأَةٍ تُجَرَّرُ وَيُلعَبُ بِهَا، فَقَالَتِ اللهمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَ: اللهمَّ اجْعَلنِي مِثْلَهَا فَقَالَ: أَمَّا الرَّاكِبُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، وَأَمَّا المَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي، وَتَقُولُ حَسْبِي الله، وَيَقُولُونَ تَسْرِقُ، وَتَقُولُ حَسْبِي الله ونعم الوكيل».
ومما ورد من الدعاء بالوصف قوله تعالى:﴿ فَإِنْ تَوَلوْا فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾[التوبة:129] ، وقوله - عز وجل :﴿ عَلَى الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾[الأعراف:89] ، وقوله سبحانه:﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[هود:56] ، وقوله تعالى:﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾[الملك:29] .
صدق التوكل على الله وحده في جلب المنافع، ودفع المضار ونفض القلب واليد عمن سواه.
فـ "الوَكيلُ" سبحانه الضامن لرزق عباده المدبر لشؤونهم، الراعي لمصالحهم بحكمة وعلم وقدرة مطلقة، وهذا يقتضي: -
عدم التعلق بالأسباب مع فعلها لأن الله أمر بالأخذ بالأسباب الشرعية.
النظر فيها إلى مسببها وخالقها وهو الله الذي إن شاء نفع بها، وإن شاء أبطلها، فعاد الأمر والتأثير والتدبير إلى الله وحده الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو الحي الذي لا يموت، قال الله تعالى:﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾[الفرقان: 58]، وقال سبحانه:﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾[الشعراء: 317].
فالوكيل سبحانه حي لا يموت، عزيز لا يغلب، رحيم يرعى مصالح عباده ويسوق الخير إليهم بعلم وحكمة،
أما من سواه فإنه يموت ويُغلب، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلاً عن أن يملكه لغيره...
لما كان من معاني (الوكيل) الضامن لرزق عباده، المتكفل بذلك لهم
فإن الإيمان بـ "الوَكيلُ" يمحو القلق والهلع على الرزق في الدنيا، وهذا يلقي الطمأنينة والسكينة في قلوب عباده المتوكلين عليه، ويجعلهم يأخذون بالأسباب المشروعة في طلب الرزق، وينأون بأنفسهم عن الأسباب المحرمة، ويرضون بما كتب الله تعالى لهم من الرزق لأنه سبحانه العليم الحكيم الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء، قال سبحانه:﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾[هود:6]، وقال :﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾[الشورى: 27].
الثقة بكفاية (الوكيل) وتوليه لعباده الصالحين ونصرته لهم وإحسان الظن به سبحانه.
وهذا كله يبث الرجاء في النفوس المؤمنة، ويذهب عنها اليأس والخوف من المخلوق والإحباط والتشاؤم،
ولكن رعاية الله تعالى وتوليه لمصالح أوليائه ونصره لهم إنما يكون بتحقيق التوحيد والتقوى، والتقرب إليه سبحانه بالطاعات وترك المحرمات؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما:﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، قالها إبراهيم -عليه السلام -حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا:﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾[آل عمران 173].
أن (الوكيل) هو القائم بأمر الخلائق أجمعين والمتكفِّل برزقهم وإيصاله لهم، والرعاية لمصالحهم، وما ينفعهم في دنيــاهم وأخراهم
قال القرطبي: فيجبُ على كل مؤمن أن يعلم أن كلَّ ما لا بدَّ له منه، فالله سبحــانه هو الوكيـل والكفيــل المتوكِّل بإيصاله إلى العبد، إما بنفسه فيخلقُ له الشَّبع والرِّي كما يخلق له الهداية في القلوب، أو بواسطة سبب كمَلَك أو غيره يوكَّل به.
فالله سبحانه وتعالى يرى عبدهُ ضالاً فيهديهُ، حين يركن بقلبه عليه ... لذا فلنفوِّض أمورنا له، ثمَّ بعد ذلك نتنعَّم بفضله علينا.
الزهد في الدنيـــا وما فيها ...
فلا نتوكل على أحدٍ سوى "الوَكيلُ"، ويعلم أنه وحده سبحانه وتعالى الذي يكشف عنه الضُرَّ ... وأنت عندما تُبتلى، هل تهرع إلى الله وتركن بقلبك عليه؟ ... أم تعتمد على منصبك ومعارفك؟ فإذا ركنت إلى أيٍ من تلك الأمور الدنيوية، اعلم أن هناك قدحٌ في إيمانك بهذا الاسم.
قال ابن العربي: فإذا علمتم معنى الوكيل، فلله في ذلك منزلته العليا بأحكامٍ تختص به أربعة:
الأول: انفراده بحفظ الخلق ...
الثاني: انفراده بكفايتهم ...
الثالث: قدرته وحده على ذلك ...
الرابع: أن جميع الأمر من خيرٍ وشر، ونفعٍ وضُرٍّ، كل ذلك حادثٌ بيده.
أما العبد فالمنزلة السفلى له وفي ذلك ثلاثةُ أحكــام:
الأول: أن يتبرأ من الأمور إليه؛ لتحصل له حقيقة التوحيــد ...فيرفع عن نفسه شغب مشقة الوجـوب ... كالرجل الذي يتولى أمر أهله وينفق عليهم؛ فإن الرزق ليس بيده بل الله سبحانه وتعالى هو الرزَّاق، فينبغي أن لا يمنَّ على أهله بإنفاقه عليهم، وإذا سألوه شيئًا عليه أن يطلب منهم أن يسألوا الله تعالى أن يرزقه حتى ينفق عليهم مما رزقه الله.
الثاني: أن لا يستكثر ما يسأل؛ فإن الوكيــل غني ... ولهذا قيل: "من علامة التوحيد كثرة العيـــال على بساط التوكُّل".
الثالث: أنك إذا علمت أن وكيلك غنيٌّ وفيٌّ قادرٌ مَلِيٌّ ...
فأعْرِض عن دنيـــاك وأقبِل على عبادة من يتولاَّك.
فهم عبادة التوكل، وعبادة "الوكيل" بها: -
التوكل أصل من أصول الإيمان، ومقام جليل عظيم الأثر، بل ومن أعظم واجبات الإيمان وأفضل الأعمال والعبادات المقربة إلى الرحمن، وأعلى مقامات توحيد الله سبحانه وتعالى، فإن الأمور كلها لا تحصل إلا بالتوكل على الله والاستعانة به، فمنزلة التوكل تشتد الحاجة إليها وعباد الله تعالى حقاً إذا نابهم أمر من الأمور فروا إلى الله منيبين إليه ومتوكلين عليه، وبذلك يسهل الله الصعاب وييسر الله العسير ويحقق العبد ما يريد وهو مطمئن البال هادئ النفس راضٍ بما قضاه الله عز وجل وقدره.
معنى التوكل: -"هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة"
وهذا التوكل لا ينقطع ولا يخلو من اتخاذ الأسباب، فهو ثقة بالله واعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب، فهو يلتئم هذين الأصلين،
عوائق تحقيق التوكل
الجهل بمقام الله من ربوبية وألوهية، وأسماء وصفات.
الغرور والإعجاب بالنفس.
الركون للخلق والاعتماد عليهم في قضاء الحاجات.
حب الدنيا والاغترار بها مما يحول بين العبد والتوكُّل؛ لأنه عبادة لا تصِح مع جعْل العبد نفسه عبدًا للدنيا.
أمور تنافي التوكل
من الأشياء التي تنافي أصل التوكل: -تعليق النجاح بالأسباب فقط.
التعلق بسبب لا تأثير له -كالأموات، والغائبين، والطواغيت -فيما لا يقدر عليه إلا الله.
اعتقاد أن السبب -سواء المشروع أو المحرم -فاعل بنفسه دون الله، فذلك شِرك أكبر.
الاعتماد على أمر ليس سببًا شرعًا، مع اعتقاد أن الضر والنفع بيد الله وحده، ((كالتطيُّر))، فالمتوكل على الله يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم ليكن ليُصيبه؛ قال تعالى:﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾[التوبة: 51]، أما المتطير، فهو في خوف وفزعٍ، دائمُ الاضطراب والقلق من أمور مخلوقة، لا تملِك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا.
دلائل التوكل: ((كيف تعرف أنك تتوكل بقلبك؟))
استشعار اسم الوكيل في الظروف الصعبة: -قصة سيدنا إبراهيم عندما ألقوه في النار، كان عمره ستة عشر عاماً عندما قرر أن يكسر الأصنام، قال تعالى:﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم ﴾[الأنبياء 60]﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾[الأنبياء 68]، ثم بنوا له بنياناً خارج البلدة، ويأتيه جبريل عليه السلام ويقول له "ألك حاجة؟ " فيجيبه إبراهيم عليه السلام: " أما لك فلا يا جبريل، وأما إلى الله فحسبي الله ونعم الوكيل "، ثم دخل النار وخرج منها بعد أيام!! ماذا حدث؟!﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾[الأنبياء 69]، إذن أهم نقطة هي الاستشعار بالوكيل في ساعات الضيق، فالتوكل هو الاسترسال مع الله حيث يشاء.
الاختبار: -أحياناً يغلق الله عليك أسباب الدنيا التي تعتمد عليها، حتى يرى هل تضع كل آمالك في الوكيل أم لا... ففلان يستقيل، والآخر يتوفى.
فالنبي ﷺ في أصعب فترات الدعوة يتوفى عمه أبو طالب الذي كان بمثابة السند والحماية، وتتوفى زوجته السيدة خديجة التي كانت مصدر الحنان والرعاية... لماذا؟! حتى يقول له الله سبحانه ... من لك غيري يدافع عنك؟
عدم المبالغة في الخوف على المستقبل، فكثير من الناس يخافون كثيرا من المستقبل، ولابد ان لا يكون المتوكل هكذا ولا يبالغ في حرصه، فلا تكونن من المبالغين، والأمهات أكثر من يتعبن من أجل أبنائهن، وقد كان رزقهم يأتيهم وهم أجنة في بطونهن...
أن تتحرك في الحياة بجسمك وأنت تسلم قلبك للوكيل.